اللغة العربية ومهاراتها لجميع المراحل التعليميّة
أهلا بزائرينا الكرام

كنّا .... وصرنا..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كنّا .... وصرنا..

مُساهمة من طرف أبو العبد في السبت أكتوبر 03, 2015 11:48 am

بسم الله الرحمن الرحيم

   
 في أمسية هادئة أحطنا بجدّي نشرب الشّاي على ضوء القمر، فطلبنا منه أن يحدّثنا عن أيام زمان فقال: كان آباؤنا يبدؤون يومهم بجدّ، فيصابحون شمس حزيران التي كانت أكثر صرامة في انتزاع العرق من مسامات جلودهم، فيومهم هادئ لا يعكّر صفوه إلا خبر عن وفاة قريب أو فاجعة تصيب أحدهم.. ولا يفترقون إلا ساعات النّوم.. فالسهرة واحدة منذ أخبار الثامنة وحتى نهاية إرسال التّلفاز.
     كانت الحياة أكثر فقرا وبردا وجوعا، لكنها كانت دائمة الخضرة.. فالصحوة على صوت مازن القبّج في حديثه عن النباتات التي كانت تعني لهم ليس فقط الحياة بمعناها.. بل ترتبط بمصير أبنائهم المتشربين عشق ثراها...
    كانت القلوب بيضاء ناصعة خالية من فيروسات الكره وأنيميا الأحقاد، فكانوا يسهرون مع زهير النوباني الذي كان يعدّ أكبر رمز للشرّ ليكيلوا له الدعوات الساخطة لاحتكاره أموال الناس، إذ لم يكونوا يعلموا أنّ في الغيب شيطانا اسمه بوش وخلفه أوباما.
        كانت رائحة البامية تتسرب من شبابيك البيوت، فتملأ الطرقات، فليسوا بحاجة للتنبؤ بطعام هذا أو ذاك طالما أنّ الحيّ كلّه أسرة واحدة مترابطة ومتعاضدة في شتّى الظروف.. وزيارة الطبيب في حالات الشّدة القصوى، فمناعة أجسادهم نابعة من قناعتهم بأنّ اليد التي تأكل ممّا تزرع لا تعوزها العافية...  وكانت القظامة المالحة توصف علاجا للمغص... الذي كان يزورهم غبّا.... وكان الخبز يصنع في البيوت، والأغنام تدقّ أجراسها مع الفجر مؤذنة بالانطلاق..
       وكانت ساعات الجوفيال الأكثر حداثة في يد الأب العجوز من أغلى الأجهزة.. والتوجيهي محكّ وتحدّ، فإمّا يفرزك على كادر الأرض و" الطوريّة " أو تطرق بعده أبواب الجامعة الأردنية التي كانت نهاية العلم، ومنتهى المنى، بيد أنّها بلا شقيقات... وفضاؤها بلا منافس.. فلم تكن الجامعات الروسيّة قد شقّ بذار شهاداتها ديارنا بعد ...
     كانت لهجات النّاس أحلى.. وقلوبهم أكبر.. وطموحاتهم ساذجة.. ومذاق أيّامهم أشهى، وطعم الشمس أطيب.. وكانت حبّات المطر أكثر اكتنازا بالماء.. والمزراب يخزّن ماء الشّتاء في البرميل... والبرد يجعل أصابع التّلاميذ حمراء ترجف .. والثلج لم يكن يخلف موعده.. وللّوز أزهار طبيعيّة... والعقل هو الجوهر... والقلب مفتاحه..
        فلو حدّثت أحدهم عن " العدسات اللاصقة " لاعتبرك مرتدّا أو زنديقا تستحقّ الرّجم... ولو همس أحدهم أنّه بالإمكان خلع جهاز الهاتف من شروشه لنحمله في جيوبنا لصار له أتباع ..
ولو حدّثتهم عن " الكيوي " فلا يذهب بهم التفكير لأبعد مما  يلمّعون به أحذيتهم...
         فهم أناس طيّبون ... لا يحتكرون الفرحة، ولا يبخلون بالبسمة... وكل ما يكرهون ويمقتون وضعوه تحت مسمييّن اثنين هما " الحرام والعيب " وهما معيارهم في القبول أو الرّفض.... فهم كانوا ونحن صرنا نستذكر عاداتهم ومآثرهم.


خاص بالمنتدى
avatar
أبو العبد
مراقب

عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 20/08/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كنّا .... وصرنا..

مُساهمة من طرف عبد الله عطيّة في الأحد أكتوبر 04, 2015 10:06 pm

نصٌّ جميل ذكَّرَنا بأيّام زمان وما أدراك ما أيّام زمان! شمَمْتُ في النصِّ عبق الماضي وعطره، وطيبة أهله وبساطتهم، وتواصلهم الاجتماعيّ وقعداتهم، الله الله على تلكم الأيّام التي لا تعود. ختامًا أظنُّ أنّ النصَّ يوحي بكاتبه، وهو كاتبٌ معروف عنه كتابة الخواطر الرائعة، والأسلوب الساخر الجميل.

عبد الله عطيّة
معلّم

عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 21/09/2015
العمر : 32

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كنّا .... وصرنا..

مُساهمة من طرف أبو العبد في الأحد أكتوبر 04, 2015 10:12 pm

عبد الله عطيّة كتب:نصٌّ جميل ذكَّرَنا بأيّام زمان وما أدراك ما أيّام زمان! شمَمْتُ في النصِّ عبق الماضي وعطره، وطيبة أهله وبساطتهم، وتواصلهم الاجتماعيّ وقعداتهم، الله الله على تلكم الأيّام التي لا تعود. ختامًا أظنُّ أنّ النصَّ يوحي بكاتبه، وهو كاتبٌ معروف عنه كتابة الخواطر الرائعة، والأسلوب الساخر الجميل.
*****

إن كان النّصّ فيه ما يذكر؛ فيكفيه فخرًا مرور
أقلامكم؛ لتسبغ عليه نسمات روحك أخي
عبد الله تلكم النافحة بما أنت أهل له..
بوركت وحيّيت أخي، ودمت بإطلالتك الدّافئة.

_________________
أبو العبد
avatar
أبو العبد
مراقب

عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 20/08/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى